نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

149

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

دعاء المساكين لكان الواجب على العاقل أن يرغب فيها ، فكيف وفيها رضا اللّه تعالى ورغم الشيطان ، لأنه روي في الخبر « إن الرجل لا يستطيع أن يتصدق ما لم يفك لحيي سبعين شيطانا » وفيها الاقتداء بالصالحين لأن الصالحين كانت همتهم في الصدقة . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عن محمد بن المنكدر عن أمّ ذر ، وكانت تدخل على عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : بعث عبد اللّه بن الزبير إلى عائشة رضي اللّه تعالى عنها بمال في غرارتين فيهما ثمانون ومائة ألف درهم وهي صائمة ، فجعلت تقسم بين الناس فأمست وما عندها من ذلك درهم ، فلما أمست قالت يا جارية هلمي فطوري فجاءتها بخبز وزيت ، فقالت لها أما استطعت فيما قسمت هذا اليوم أن تشتري لنا لحما بدرهم قالت : لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت . وعن عروة بن الزبير قال : لقد رأيت عائشة رضي اللّه تعالى عنها تصدقت بسبعين ألف درهم وإنها لترقع جانب درعها . وذكر أن عبد الملك بن أبجر ورث خمسين ألف درهم فبعث إلى إخوانه صررا وقال : كنت أسأل لإخواني الجنة ، فكيف أبخل عليهم بالدنيا . وذكر في الخبر : أن امرأة جاءت إلى حسان بن أبي سنان فسألته شيئا ، فجعل ينظر إليها فإذا هي امرأة جميلة فقال يا غلام أعطها أربعمائة ، فقيل له يا عبد اللّه سائلة تسألك درهما فأعطيتها أربعمائة درهم ؟ فقال لما نظرت إلى جمالها خشيت أن نفتتن فتقع في المعصية فأحببت أن أغنيها فعسى أن يرغب فيها أحد فيتزوّجها . وذكر في الخبر أن رجلا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أهدى إليه برأس شاة فقال أخي فلان أحوج مني فبعث إليه ، فقال الذي بعث إليه : إن فلانا أحوج مني فبعث إليه ، فلم يزل يبعث به واحد بعد واحد حتى تداولت سبعة أبيات ، ثم رجع إلى الأوّل فنزل قوله تعالى وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ويقال إن نزول هذه الآية كان في شأن رجل من الأنصار ، وذلك ما رواه الحسن « أن رجلا أصبح على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صائما فلما أمسى لم يجد ما يفطر عليه إلا الماء فشرب ، ثم أصبح صائما فلما أمسى لم يجد ما يفطر عليه الا الماء فشرب ، ثم أصبح صائما فلما كان اليوم الثالث أجهده الجوع ، ففطن به رجل من الأنصار فلما أمسى أتى به منزله فقال لأهله قد نزل بنا الليلة ضيف فهل عندنا طعام ، فقالت إن عندنا من الطعام ما يشبع الواحد وكانا صائمين ولهما صبي ، فقال لها إنا نطعم ذلك ضيفنا ونصبر الليلة ، فنوّمي الصبي قبل وقت العشاء وإذا قربت الطعام فأطفئي السراج حتى يرى الضيف أنا نأكل معه حتى يشبع ، فجاءت بثريدة فوضعتها ثم دنت من السراج كأنها تصلحه فأطفأته فجعل الأنصاري يضع يده في القصعة بين يديه ولا يأكل شيئا فأكل الضيف حتى أتى على ما في القصعة ، فلما أصبح الأنصاري صلى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الفجر فلما سلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقبل على الأنصاري وقال لقد عجب اللّه تعالى من صنيعكما يعني رضي به وتلا هذه الآية وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » يعني يؤثرون بما عندهم لغيرهم ويمنعون أنفسهم وإن كان بهم مجاعة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني من يدفع البخل عن نفسه فأولئك هم الناجون